الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
493
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
قوله عليه السّلام : وأدمنتم ذكره في المجمع : وأدمن فلان على كذا إدمانا إذا واظبه ولازمه . وفيه : والذكر نقيض النسيان ، وقيل : حقيقة الذكر عبارة عن صعود الذاكر إلى مرتبة المذكور ، وذلك بخرق الحجب الظلمانية والنورانية الكائنة بين الخلق واللَّه تعالى . وبعبارة أخرى : حقيقة الذكر هو حضور المذكور في ذات الذاكر ، بحيث ينفي عن نفسه ، فلا يرى إلا المذكور وهو المراد ( واللَّه العالم ) من قول أمير المؤمنين عليه السّلام في الدعاء : وانقلني من ذكري إلى ذكرك ، أي أفن نفسي بحيث لا يكون لي أثر ولا ذكر إلا ذكرك ، وحينئذ معنى إدمان ذكره هو تثبّت هذا الذكر الحضوري وعدم زواله أبدا ، ولا يكون ذكر لأحد إلا بذكره تعالى ، ففي الدعاء : " اللَّهمّ أنت الذاكر قبل الذاكرين " ومعلوم أنّ ما ذكرنا مرتبة من أذكاره ، بمعنى أنّا ذاكروه بحوله وقوّته ، ولولاه لم يتأتّ لنا ذكره ، ويشير إلى أنّ حقيقة الذكر هو حضور المذكور لدى الذاكر ما في الحديث القدسي : " أنا مع عبدي إذا ذكرني " وقوله تعالى : " أنا جليس من ذكرني " . وكيف كان فللذكر مراتب وهم عليهم السّلام قد أدمنوا جميعها ونحن نذكرها ، ثمّ نذكر السبب لإدمانهم عليهم السّلام له فنقول : منها : الذكر اللفظي فقد ورد في فضله أحاديث كثيرة . ففي مرآة العقول ( 1 ) ، عن الكافي ، عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : ما اجتمع في مجلس قوم لم يذكروا اللَّه عزّ وجلّ ، ولم يذكرونا إلا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة ، ثمّ قال : قال أبو جعفر عليه السّلام : " إنّ ذكرنا من ذكر اللَّه ، وذكر عدوّنا من ذكر الشيطان " .
--> ( 1 ) مرآة العقول ج 12 ص 120 . .